المنشور رقم (34) إختلاف المسلمين مع عيسى ابن مريم

بسم الله الرحمن الرحيم

المقـدمة:

         خلق الله الخلق لعبادته قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (56) سورة الذاريات.

         وشرَّع طريقة عبادته وبرمج المنهج ومَرْحَل تنفيذه على عدة مراحل عبر تأريخ الإنسانية وأوكل تنفيذ كل مرحلة لشخص بعينه هو المسئول بالوكالة عن الله سبحانه عن إدارة شئون الخلق- وقسم تأريخ الإنسانية إلى قسمين فترة نبوءة ما قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وفترة هداية بعده وجاء ذلك مفصلاً في الكتاب والسنة قال عز وجل: {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} (26) سورة النساء.

          وسنن الذين من قبلكم محكومة بأن يتولى الله بنفسه اختيار المرشد الذي يتولى الوكالة عنه لهداية خلقه ولقبه بالنبي أو الرسول.

         وإن بعثهم يكون تباعاً قال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ} (44) سورة المؤمنون.

        ويبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السنن في أمته:

[1]    فقال (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وإنه سيكون خلفاء كثيرون. قالوا فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) رواه البخاري.     

         فالحديث صحيح وصريح في أن خلفاء هذه الأمة هم الذين يتولون سياسة الدولة وأنهم مبعوثون من قبل الله ولا يكون ذلك إلاّ بدعوتهم ذلك وإن طاعة الأمة لهم حق مستحق من الله.

        هذا الاستخلاف لهؤلاء الساسة هو المذكور في قوله عز وجل: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (51) سورة القصص.

        فخلافة النبوءة موصولة في هذه الأمة في الخلافة على منهاج النبوءة. وهنا تبرز حقيقة هامة في مواضيع هذا المنشور وهي: (معرفة الشخص المخصوص بالخلافة في كل زمن؟) وهو ما يعرف عند العلماء بـ(صاحب الوقت).

        إن أهم صفة تميزه هو دعوته أنه مبعوث من عند الله.  وأهم صفة تميز أئمة الضلالة أنهم لا يدعون ذلك. ولكن الشيء المؤسف إن الموازيين منكسة عند المسلمين فهم يعتبرون كل من ادعى أنه مبعوث من عند الله دجالاً وكذاباً فالأمة على مرّ التأريخ ما جاء أحد وقال إنه المهدي أو خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ رموه بالكذب والضلال في حين أن من لا يدع ذلك فعندهم هو المؤمن المستقيم وفي الحقيقة هو الضال والمضل وأتباعه هم الضالون قال عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} (23) سورة النجم.

        فالحق كل الحق مع الذي يدعي إنه مبعوث من عند الله قال عز وجل: {وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} (23) سورة النجم.

        ولو ادعى ذلك في الوقت الواحد أكثر من شخص فإن الحق مع أحدهم ولا يكون الحق أبداً مع أحد لم يدع إنه مبعوث من عند الله فإن ميزان الحق منصوب بكفتين كفّة تصديق وكفّة تكذيب ولا يكون التصديق أو التكذيب إلاّ في مواجهة شخص يعلن للناس إنه مبعوث من عند الله. فالشخص الذي يفترق الناس جراء دعوته بين مكذب ومصدق هو خليفة الله الحق في هذه الأمة وهو صاحب السراط السوي يصدقه المؤمنون ويكذبه الكافرون.

        وأكبر خطأ تقع فيه الأمة هو قبولها بفكر الإمام المهدي كمبدأ ومعتقد ولكنها تكفر بكل خليفة جاء وفق المنهج الرباني الذي بينه لهذه الأمة وهو اعتقاد من الأمة أن الله لم ينفذ ما وعد به في برنامجه من إرسال خلفاء لهذه الأمة كما وعد به رسوله في الحديث (فوا ببيعة الأول فالأول) ومثله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

[2]         (يكون أثنا عشر خليفة كلهم من قريش) متفق عليه.

        لقد أوفى الله بوعده حقاً وجاء هؤلاء الخلفاء وتعاقبوا عبر تاريخ هذه الأمة ولكنكم كذبتم بهم جميعاً على سنن منهاج الأمم قبلكم {كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ}. والتكذيب بهؤلاء الخلفاء هو سبب الهزائم التي تتوالى على المسلمين اليوم في كل الجهات.   

[3]         عن جابر بن سمرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون –وفي رواية- لا تزال هذه الأمة مستقيماً أمرها ظاهرة على عدوها حتى يمضي منهم أثنا عشر خليفة كلهم من قريش قالوا ثم يكون ماذا؟ قال: ثم تكون الفرج). رواه أبو داود.

       إن ما يجري اليوم على الساحة الإسلامية هو تطبيق عملي لنص هذا الحديث والمخرج من هذه الهزائم هو إتباع خليفة الله الموجود الآن وهو يدعي أنه مبعوث من عند الله. ويقول أنه المسيح عيسى ابن مريم والأمة كشأنها مع المهديين تؤمن بالمهدي كعقيدة وتكذبه إذا جاء. فالمسلمون يؤمنون بعيسى ابن مريم رسول الله في بني إسرائيل ولكنهم يختلفون معه ويكذبون شخص المسيح الذي يعلن للناس بأنه المسيح ويقولون أن المسيح غيره وهذا الموقف ذكره الله عز وجل فقال: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } (69) سورة المؤمنون.

      وهو الموضوع الأهم في هذا المنشور فمعرفة المسيح في شخصه مقصودة لذاتها فالإيمان المجرد غير كافٍ ولا يعذر الجاهل بعد أن فصّل القرآن أمر عيسى ابن مريم تفصيلاً أزال عنه الالتباس.

الفصـل الأول

أئــتوا البيوت من أبوابها

 

       إن أقرب طريق لتغيير المجتمع هو الذي تبدأ خطواته من قمة هرم المجتمع متمثلاً في القيادة العليا وأي سلوك غير هذا الطريق يفني فيه الداعي جهوده دون أن يبلغ هدفه وذلك لتمكن القيادة من إرادة الجمهور كتحكم سائق السيارة في إطارات مركبته والذي يحاول عبثاً أن يحوِّل خط سير المركبة من إطاراتها في حين إمساك السائق بعجلة القيادة إنما يضيع زمنه ومجهوده بلا نتيجة مرضية.

       ولذلك نجد الحق عز وجل يأمر أنبيائه المرسلين بالبدء بالقيادة العليا في المجتمع كحال موسى عليه السلام مع فرعون قال عز وجل: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ! اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ! اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ! فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}  (41 - 44) سورة طـه.

        هذا الطريق الذي يبدأ بالقمة هو أشق وأصعب ولكنه هو الأقصر والأقرب لتحقيق الهدف المنشود من مراد البعثة.

        وهذا ما فعلته في بداية الدعوة بمحاولة الاتصال بالقيادة السياسية العليا في السودان ولكن تكسرت محاولاتي عند الحواجز. ولكن صاحب الدعوة لا ييأس لأن النصر يكون عند نقطة اليأس بعد العمل الدءوب واستنفاذ الطاقة وبلوغ النفس غاية وسعها في الجد قال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ } (34) سورة الأنعام.

       نبأ المرسلين أن يصبروا على المشاق ويصابروا ويرابطوا فالنصر آتِ لا محال ومواجهة الحكام أيسر مرات ومرات من مواجهة الجمهور لأنه مهما كان الحال فإن القيادة أكثر إدراكاً بالأمور من الشعوب. والحاكم مهما كانت عداوته فهو على علم بما يفعل على عكس الدهماء الذين تسبق أفعالهم وأقوالهم عقولهم أسمعوا إلى هذا الحوار الذي أجراه فرعون مع موسى كما عرضه لنا القرآن. قال عز وجل في توجيه موسى وهارون عليهما السلام بالصدع بالدعوة في وجه فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ! قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى! قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ! فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} (44 - 47) سورة طـه.

       لقد كان الهدف الأول من بعثة موسى هو خلاص بني إسرائيل وهدايتهم ولكنهم كانوا رعايا تحت ملك فرعون ولذلك كان توجيه الله لموسى أن يأتي البيوت من أبوابها فأرسله إلى فرعون وواجهه بالدعوة وبالرسالة أولاً ولم يأت البيوت من ظهورها بالتوجه إلى بني جنسه فالمسألة لها عاملها النفسي إذ أن عدم مواجهة فرعون تشكك في مصداقية دعوة موسى عليه السلام في نفوس بني إسرائيل ثم هي توفر لموسى عليه السلام فرصة إعلامية ليسمع الناس من خلال تحدي فرعون حكى الله عز وجل المشهد فقال: {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ! فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى} (57 - 58) سورة طـه. لقد أعطى فرعون لموسى اختيار الزمان والمكان في مواجهة التحدي فاغتنم موسى عليه السلام الفرصة فاختار ظرفاً يجتمع فيه الناس ليسمع دعوته لأكثر الناس وينشرها هؤلاء بدورهم عندما يتفرقون على أوسع نطاق فاختار موسى يوم الزينة يوم يجتمع الناس كما قال عز وجل حكاية عن موسى عليه السلام: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ! فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى} (59 - 60) سورة طـه.

         لقد حقق موسى عليه السلام هدفه في تبليغ دعوته قمة الهرم وقاعدته وأختصر في ذلك الكثير من المجادلات التعجيزية التي تصدر من دهماء الناس. وهذا ما فعلته بأن توجهت لمخاطبة القيادة العليا ولكنها سدت الطرق في وجهي ففتحت نافذة أخرى في المجتمع لها قوة ونفوذ تأتي بالدرجة الثانية هم علماء الدين وأحبار الأمة ومشائخ الطرق الصوفية وهم عند الأمة أوليا الأمور في هذا الشأن.

الـفصل الـثاني

علمــاء اــلدين

 

         علماء الدين وأثرهم الفعال على الجماهير منذ فجر التاريخ جعلهم محط قبلة الملوك على مرّ الأجيال يحيط الملك نفسه بهالة من القدسية فيجمع بين الرغبة والرهبة وهما عنصران متلازمان ولازمان لكل صاحب سلطان فالشعب لا يذعن لملك أو رئيس إلا إذا جمع بين هذين العنصرين وهذا هو الدور الذي يقوم به علماء الدين والأحبار في خدمة الملوك والرؤساء وتختلف تسميتهم على حسب أديان الشعوب فكان سحرة فرعون بالنسبة إلى فرعون وجمهوره بمثابة علماء هذا الزمان وقرائه، ولما أبطلت آية موسى آيات السحرة أجمعين فقد فرعون أهم وسيلة دعم له وفاجئه الأمر ففقد عقله والسيطرة على تصرفاته ففعل فعلته في السحرة في مشهد وصفه الله عز وجل: {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} (71) سورة طـه.

         فرعون لم يكن لديه كتاب يرجع إليه في معرفة الحق والباطل وإنما مرجعياته ورجال فتواه هم سحرته ولم يفهم من قدر معجزة موسى إلا بما يطيق عقله ويقبله كدين فقال: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} (71) سورة طـه. فالإعراض عليهم لا على موسى في تخطيه والإيمان بموسى قبل أن يأذن فرعون لهم بذلك فكان العقاب على ذلك وإلا كانت معاقبة موسى عليه السلام أولى.

         ومهما كان تقييم الحضور الذين شهدوا الواقعة فإن السحرة كانوا أدرى بمعجزة عصا موسى عليه السلام لأنهم العلماء الأحبار في هذا الفن فالآية في ذات نفسها لم تكن السبب الأول لإيمانهم ولكنها زادتهم إيماناً ورفعت درجة إيمانهم إلى مرتبة التحدي التي وصفها الله عز وجل: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (72) سورة طـه.

         يظن كثير من المفسرين أن آية العصا كانت السبب المباشر لإيمان السحرة والشاهد غير ذلك وهو قولهم (وَالَّذِي فَطَرَنَا) أي أنهم فطروا على الإيمان بخالقهم وزادتهم آية العصا طمأنينة أورثهم الثبات أمام الموت استشهاداً في سبيل الله فقد كانوا منساقين إلى تحدي موسى كرها وهو ما صرحوا به في قوله عز وجل: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (73) سورة طـه.

         فالآيات والمعجزات لم تكن يوماً سبباً لإيمان وإنما تزيد المؤمن إيماناً ليطمئن قلبه وتزيد الكافر كفراً ونفوراً وهذا ما صرح به القرآن في أكثر من آية وأكثر من سورة قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ! وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} (124 - 125) سورة التوبة. وقال عز وجل: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ! وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ! وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} (1 - 3) سورة القمر.

         إذا كانت الآية التي تناسب فرعون العصا فإن الآيات التي تناسب ملوك هذا الزمان قرآن يتلى ناطق بلسان عربي بين لا يتلبس بالسحر ولا يداخله الشك ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مع استمرارية تستنطق أحداث الأيام وأفعال الناس وتتجدد معاني آياته ليواكب رقي الإنسان وتطور وابتكارات العقل البشري فلا يتخلف ركب الإنسانية ومواكبة تطورها قال عز وجل: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} (60) سورة الواقعة.

         ولما كان علما الدين الأحبار هم أدرى الناس بخصائصه كانوا محط أنظاري منذ بداية الدعوة ولذلك عاجلتهم بالاتصال وبادرتهم بالتبليغ قبل أن يسبقني إليهم العامة فيفتوا بسابق علمهم قبل أن يستمعوا إلى حجتي ودليلي، فالأمر أجلّ أن يفتي فيه العلماء على عجل. فالدعوة من الخطورة بمكان يجعلها جديرة بالوقوف والنظر المتأمل واسترجاع البصر كرتين وأكثر.

         لقد اتصلت بكثير من العلماء منهم من سار إلىّ ومنهم من سرت إليه وكاتبت بالبريد من تعذر الوصول إليه بقصد التبليغ وطمعاً في التأييد لأني أعلم أنهم اقدر الناس على توجيه الجمهور لأنهم أساتذة هذا الشعب والتلميذ يستجيب لتوجهات أستاذه. فملكت الأساتذة أدلتي وحجتي وبرهاني على صدق دعوتي وبلغت التلاميذ أعني بهم جماهير الشعب وحين يفزعوا إلي أساتذتهم لا يفاجئهم النبأ فتربكهم المباغتة وحسن ظني فيهم بسبب تزكية الله عز وجل قال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (110) سورة آل عمران.

الفصل الثالث

اختـلاف المسـلمين مع عيسى ابـن مريم

 

       قال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ!أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ!أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ!وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} (68-71) سورة المؤمنون.

       أقول: كل التفاسير التي أطلعت عليها تقول أن الرسول المعني في هذه الآية هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والمنكرون هم قريش ومن دار في فلكهم من المكذبين برسالته وإن أضاف بعضهم أهل الكتاب (اليهود والنصارى) وهذا محض باطل فإن المعني بهذه الآيات هو سليمان أبو القاسم موسى وإليكم الدليل:

     الآية (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) تعني مراجعة القرآن لفهم هذه الآيات لمعرفة المقصود من الرسول الوارد وصفه في هذه الأيأت.

      وبالتدبر نجد أن الآيات تخاطب أهل هذا الزمان وشاهد القرآن قوله (أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ) والسؤال في الآية استنكاري أي أنه قد جاءهم هذا الرسول بمثل ما جاء آبائهم الأولين في صدر الإسلام أي ليس بالشيء الجديد أما قريش لم يأت آبائهم الأولين نذير قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بنص قوله عز وجل: {يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ!إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ!تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ!لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}(1-6)سورة يــس.

وقال عز وجل: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (46) سورة القصص.

وقال عز وجل: {ألم!تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ!أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} (1-3) سورة السجدة.

فكانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم مفاجأة لقريش والعرب حولهم لم يكن يتوقعونها فصدمتهم المفاجأة وصورها لنا الله عز وجل فقال: {وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ! {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (4-5) سورة ص.

        فالعرب الباقية لم يبعث لهم رسول من عند الله يحمل رسالة توحيد ولم تكن لهم كتب منزلة يرجعون إليها لمعرفة الحق من الباطل وهو سر إصرارهم على آلتهم التي اجتبوها اختلاقاً وتخريصاً وبيِّن الله عز وجل ذلك فقال: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ} (43) سورة سبأ. وعلل الله سبب إنكارهم فرده إلى عدم إرساله رسلاً إليهم من قبلك بصحبة كتب منزلة فقال عز وجل: {وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ} (44) سورة سبأ.

       كل هذه الشواهد تدلل على أن الرسول الوارد وصفه في آية المؤمنين {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } (69) سورة المؤمنون هو عيسى ابن مريم متجسداً في ذات سليمان أبي القاسم موسى بلا حلول أو تناسخ أرواح والدليل على ذلك لأنه لا رسول بعد ختم الرسالة والنبوءة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:

[4]         (إني لخاتم ألف نبي أو أكثر وإنه ليس منهم نبي إلاّ وقد أنذر قومه الدجال) تفرد به أبو بكر البزّار وإسناده حسن.

         وأكد القرآن ما جاء في الحديث قال تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (40) سورة الأحزاب.

       فالنبوءة ختمت بمحمد صلى الله عليه وسلم وأيضاً ختمت به الرسالات فلا رسول ولا نبي بعده برسالة جديدة أو نبوءة ولكن القرآن أجازها لعيسى ابن مريم في الآية {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } (69) سورة المؤمنون. وفي قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (33) سورة التوبة. وقوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (28) سورة الفتح. وقوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (9) سورة الصف.

        والإسلام دين الهدى لا يظهر على دين المشركين النصارى الذين يشركون المسيح وأمه في ثالوث التأليه، واليهود الذين يتبعون الدجال ويؤمنون بألوهيته تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. إلاّ عندما يعود المسيح بدين الإسلام. 

[5]         عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض سبط، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، بين مهردتين، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويعطل الملل حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب، وتقع الأمنة على الأرض) التصريح رقم (15) رواه أحمد.

          هذا الحديث والأحاديث الأخرى التي تبين هلاك الملل كلها غير الإسلام تؤكد أن عيسى ابن مريم هو الرسول المذكور في الآيات السابقة وذلك لأن الأحاديث لم تسلب المسيح ابن مريم عند عودته من لقب (رسول) أو (نبي).

[6]         قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه النواس بن سمعان في قصة يأجوج ومأجوج:

 (ثم يهبط نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهَمُهُم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيراً كاعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله) رواه مسلم.  

[7]         وجاء في ذكر حصار الدجال للمسلمين: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال فقال:

(ثم يأتي الدجال قبل الشام حتى يأتي بعض جبال الشام فيحاصرهم وبقية المسلمين يومئذ معتصمون بذروة جبل من جبال الشام، فيحاصرهم الدجال نازلاً بأصله.حتى إذا طال عليهم الحصار قال رجل من المسلمين: يا معشر المسلمين حتى متى أنتم هكذا وعدوكم نازل بأصل جبلكم هذا؟! هل أنتم إلا بين أحدى الحسنيين: بين أن يستشهدكم الله أو يظهركم؟ فيتبايعون على القتال بيعة يعلم الله أنها الصدق من أنفسهم. ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر أحدهم فيها كفه! فينزل عيسى ابن مريم فتنحسر عن أبصارهم وبين أرجلهم وعليه لامة (معناها: الدرع، وقيل السلاح: ولامة الحرب أداته)- فيقولون من أنت؟ فيقول: أنا عبد الله ورسوله وروحه وكلمته: عيسى ابن مريم، اختاروا بين أحدى ثلاث: بين أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذاباً من السماء جسيماً أو يخسف بهم الأرض، أو يسلط عليهم سلاحكم ويكف سلاحهم عنكم. فيقولون: هذه يا رسول الله أشفى لصدورنا ولأنفسنا، فيومئذ ترى اليهودي العظيم الطويل الأكول الشروب لا تقل يده سيفه من الرعب، فينزلون عليهم فيسلطون عليهم ويذوب الدجال حين يرى ابن مريم كما يذوب الرصاص، حتى يأتيه عيسى عليه السلام أو يدركه فيقتله) التصريح حديث رقم 68 أخرجه معمر في جامعه.

        وخلاصة الفصل هي: أن عيسى ابن مريم هو الرسول الوارد ذكره في الآية {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } (69) سورة المؤمنون.وأن المنكرون هم أهل هذا الذين يكذبون سليمان أبا القاسم موسى  وذلك بدلالتين اثنتين:

       الأولى: خطاب الآية فيها  موجه إلى الأمة اليوم التي أنذر آباؤها من قبل {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ} (68) سورة المؤمنون. ومانع القرآن من كون المراد بها محمد صلى الله عليه وسلم لأن الأمة في زمانه لم ينذر آباؤها كما سبقت بذلك الآيات {مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ} (6) سورة يــس. ولا رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم إلاّ عيسى ولكنه يبعث مهدياً لا رسولاً ولا نبياً.

    ثانياً: إن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تجرده من لقب (نبي الله) و(رسول الله) بشاهد الأحاديث السابقة والحكمة من إبقاء هذه الألقاب مع نفي النبوءة عنه أي إبقائها لفظاً لغوياً ونفيها حكماً شرعياً لتدل على أن سليمان أبا القاسم موسى المهدي في أمته صلى الله عليه وسلم هو ذات وروح عيسى ابن مريم الرسول النبي في بني إسرائيل.

       وأما إنكار المسلمين له الوارد في القرآن: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} هو مجيئه بالميلاد الثاني ويحمل أسم (سليمان أبي القاسم موسى) بالانتساب الشرعي لرجل من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم خلافاً لاعتقادهم في أن عيسى ابن مريم ظل باقياً بكامل هيئته البشرية بشراً سوياً منذ ميلاده في بني إسرائيل وبقى على حالته تلك إلى أن ينزل عليهم في المنارة البيضاء.

      فلو جاء كما يعتقدون لما أنكره أحد. وإن سبب إنكارهم لعيسى ابن مريم لأن عودته تكون على غير توقعهم هو الدليل على بطلان اعتقادهم في كيفية بقائه في فترة رفعه وكيفية عودته.

الفصل الرابع

الوطـن الـثاني للمسيح

 

       قال أمين الإعلام بالاتحاد العام للإعلاميين السودانيين بالخارج في رده على سؤال الصحفية مناهل يحي:

       (ما هو سر التدخل الصهيوني الصليبي في أزمة دارفور؟ أجاب: (مسبباته كثيرة ومعلومة تتلخص في الهيمنة والسيطرة على الإقليم وعلى موارده وثرواته. ثم يكون لهم موضوعاً قديماً جديداً لهم: خارطة الشرق الأوسط الجديد. وأمور عدة من مصالح سياسيه واقتصادية وغيرها.

      وأحسب أن أهَمَّ الأهم عندهم معلومة محددة وقراءة شاملة متأنية هو المفتاح إلى كنوز مستطرات وخاتم سليمان عليه السلام الذي أُكتشف أخيراً حسب (عهدهم القديم) أنه موجود في بقعة ما في أرض دارفور). المصدر صحيفة إيلاف العدد (92) بتاريخ 18 – 24 ديسمبر 2006م صفحة 14.

      أقول: إن خاتم سليمان المقصود هو سليمان أبو القاسم موسى المسيح المنتظر عند اليهود ووصفه بالخاتم لأنه خاتم الخلافة الربانية في الأرض. فهو موجود في بقعة ما في دارفور وهذا صحيح لأن الحدود القبلية للمسيرية الحمر الذين أنتمي إليهم تمتد داخل حدود مديرية دارفور السياسية كما أفادت بذلك الخرطة القبلية بين الحمر والرزيقات التي أشرف على رسمها (مستر دَيْبِسْ) عام 1932م. وجاء في وثيقة ترسيم الحدود:

     (قتل دربان عام 1931م، رزيقي. وهذا سبب الشقه بين الحمر والرزيقات عام 1932م، عندها عمر ناظر الحمر (بابو نمر) 18 سنة. الدِّية بين الحمر والرزيقات 61راس بقر رفعت إلى 71 نسبهً لإصرار الناظر إبراهيم موسى مادبو(ناظر الرزيقات) بحضور (مستر دَيْبِسْ) الهلجيجايه العويجة من الرقيل في الشمال ونحو الجنوب إلى بئر الحديد بين شارف والتبون وجنوباً إلى تبلدية أملس. وعراديب القنطور الطويل. ورهد الديدان. ورهد الصهب. ورهيد العرديباية. رهيد ضب. ورهيد الحطب. ورهيد القنطور. ورقبة شنيبة. دباب جبور. كركرية تمرتي. قردود السرحاية. قردود عبد الغني. قردود الزاناية. مرير الرقبة. وكلاقي الكتر. وفاوة الجاموس. تمرتيه. القرضاية. عرديباية تميس. الهلجيجاية العويجة. نحو الشرق: عرديباية الفهيم جوار الجرف حتى السميح). وأردفت:

(الشهود) من الرزيقات:

1. يحيى الزريزير

2. إبراهيم موسى مادبو (ناظر)

3. العمدة جوادة جمعة

4. النور ود اللحو              

5. مادبو خشم الباحش

6. يونس أبو الرضية

7. حماد أبو كويسات (معلاوي)

8. عيسى تبن (معلاوي).

(الشهود) من الحمر:

1. بابو نمر (ناظر)

2. حامد جمعة أم بردب

3. الحاج حمدان الهواري

4. جبوحة حماد ريقيعات

5. عيسى شرو

6. عبد الله النسير

7. الدودو تركب

8. أبوه كُبُر

9. الحريكة أبو بقادي

10. ماريق أبو السُّرة

11. كشابة ولد حبيب الله

    المصدر: مخطوط محفوظ عند أحفاد حامد جمعة أم بردب عند حامد بن أَمْدامكي بن حامد جمعة أم بردب. ولقد شاهدت الوثيقة بنفسي عندما أخرجها لي أَمْدامكي رحمه الله.

أقول: هذه الوثيقة تثبت بطلان دعاوى لجنة الخبراء التي أعطت جزءاً كبيراً من هذه الحدود إلى دينكا نوك. لان السميح الواردة في ترسيم (مستر دَيْبِسْ) بتاريخ 1932م تقع جنوب بحر العرب وإلى الشرق من محطة بحر العرب وهي تثبت أن بحر العرب ملك للمسيرية فلا يوجد قانون في الأرض يقضي بأن يكون بحر العرب بحراً للدينكا وليس بحراً للعرب.

الخــاتمة:

        إن دعوتي مرتكزة على دعائم لا تتزلزل فأنا على بينة من أمري بإعلام الله وملائكته ونبيه الكريم محمد r . هذا في خاصة نفسي. ولي شاهد من القرآن كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل ولا تزيغ به الأهواء قال عز وجل: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (52) سورة الأعراف. وإليكم تفصيل هذا الكتاب لمسألة رفع عيسى ابن مريم وعودته. قال عز وجل: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (55) سورة آل عمران. وقال عز وجل: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا! بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } (157 - 158) سورة النساء.

        لقد التبست وفاة عيسى ابن مريم على كثير من الناس بسبب الآية {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} (159) سورة النساء. ولكن هذا الالتباس أزاله قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (42) سورة الزمر. لقد عَرَّفت الآية وفاة الموت بـ(فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) والآية فصيحة في دلالتها على مسك عيسى (رَّفَعَهُ إِلَيْهِ) ولم يرسله كما جاء في تعريف وفاة النوم (وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى) يسعى صاحبها بين الناس فلا يمكن الخلط بين الوفاتين بعد تفصيل الآية للتفريق بين وفاة الموت ووفاة النوم. ومما يؤكد أن وفاة عيسى كانت وفاة موت ما نقله عبد الكريم بن صالح الحميد في كتابه الرد الصارم: (قال شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله تعالى: (بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء 158 قال شيخ الإسلام (ولفظ التوفيّ في لغة العرب معناه الاستيفاء والقبض). الرد الصارم ص 31.

       أقول: الوفاة في لغة العرب: القبض ووفاة الموت في لغة الشرع: المسك. والمسك لغة هو القبض والقبض شرعاً ولغة هو المسك فيكون بذلك لغة وشرعاً وفاة عيسى كانت وفاة موت.

       أما ما أشكل على العلماء في الآية : {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} (159) سورة النساء. ذلك لأن النصارى بدلت العقيدة بعد موته بالوفاة الناتجة عن رفعه إليه تعالى ومسكه عنده {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} (55) سورة القمر. ولم يرسله يسعى بين الناس بعد الاستيقاظ لو كانت نوماً فالمسيح ابن مريم ترك أنصاره إلى الله على دين التوحيد وحض المسلمين أن يكون إيمانهم كإيمان النصارى قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} (14) سورة الصف. أنصار المسيح الذين آمنوا به قبل موته في بني إسرائيل كانوا في قمة التوحيد ولذلك حث الله المسلمين أن يكون إيمانهم بالله كإيمان أنصار المسيح ابن مريم في بني إسرائيل إبان حياته في زمن رسالته. والتثليث وقع من الذين آمنوا به بعد وفاته كما تبين من الحوار بين المسيح وربه في قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ !مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}  (116 - 117) سورة المائدة.

             فالكلام واضح وصريح وفصيح فالآية تتكلم عن وفاته في بني إسرائيل ولكن المشهد يتكرر بقفل باب الإيمان به عند موته في عودته الكائنة الآن {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} فأهل الكتاب المطلوب إيمانهم به قبل موته هم المسلمون واليهود والنصارى. يشهد لمن آمن به في حياته بالإيمان ولمن خافه وقال إن عيسى ابن مريم غير سليمان أبي القاسم موسى بالكفر.

           وإن عودته الثانية تكون بالميلاد بعد فناء جسده الأول الذي توفىَّ بصريح القرآن في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ !وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} (7-8) سورة الأنبياء. فالآية صريحة في نفي خلود الأنبياء جميعاً دون استثناء في فترة زمنية محددة بـ(قَبْلَكَ) (وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) في الماضي وأي عودة له تعني ميلاده الثاني وهو ما يؤكده قوله عز وجل: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً} (46) سورة آل عمران والكهولة دون السبعين سنة ونحن الآن في عام 2007 للميلاد الأول وهذه هي القرينة الدالة على ميلاده الثاني لأن عمره بميلاده الأول تجاوز سن الكهولة فلا يكلم الناس في هذه الأمة في سن الكهولة إلاّ بميلاد ثانٍ في هذه الأمة.

          هذا هو تفصيل القرآن لوفاة عيسى ابن مريم في بني إسرائيل وعودته في هذه الأمة. ومن أعترض على هذا الحكم فعليه بالدليل وبشرط أن يكون الدليل كتاب من عند الله بالشرط الذي وضعه الحق عز وجل: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (49) سورة القصص.

          ومن لم يأت بدليل يستوفي شرط الله عز وجل السابق فلا يلتفت إلى حجته واعتراضه كما قضى الله عز وجل في ذلك بقوله: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (50) سورة القصص.